عبد القادر الجيلاني
287
فتوح الغيب
عند اللّه سبحانه وعند الخلق ، ويقدر على ما يريد من أمر الدّنيا والآخرة ، وهذه الخصلة أصل الخطايا كلّها وفرعها وكمالها ، وبها يدرك العبد منازل الصّالحين الرّاضين عن اللّه تعالى في السّرّاء والضّرّاء ، وهي كمال التّقوى . والتّواضع : وهو أن لا يلقى العبد أحدا من النّاس إلّا رأى له الفضل عليه ، ويقول : عسى أن يكون عند اللّه خيرا منّي وأرفع درجة . فإن كان صغيرا ، قال : هذا لم يعص اللّه تعالى ، وأنا قد عصيت ، فلا شكّ أنّه خير منّي . وإن كان كبيرا ، قال : هذا عبد اللّه قبلي . وإن كان عالما ، قال : هذا أعطي ما لم أبلغ ، ونال ما لم أنل ، وعلم ما جهلت ، وهو يعمل بعلمه . وإن كان جاهلا ، قال : هذا عصى اللّه بجهل وأنا عصيته بعلم ، ولا أدري بم يختم لي وبم يختم له . وإن كان كافرا ، قال : لا أدري عسى أن يسلم فيختم له بخير العمل ، وعسى [ أن ] أكفر فيختم لي بسوء العمل . وهذا باب الشّفقة والوجل ، وأولى ما يصحب ، وآخر ما يبقى على العباد . فإذا كان العبد كذلك سلّمه اللّه تعالى من الغوائل « 1 » ، وبلغ به منازل النّصيحة للّه عزّ وجلّ ، وكان من أصفياء الرّحمن وأحبّائه ، وكان من أعداء إبليس عدوّ اللّه لعنه اللّه ، وهو باب الرّحمة ، ومع ذلك يكون قطع باب الكبر وجبال العجب ، ورفض درجة العلوّ في نفسه في الدّين والدّنيا والآخرة ، وهو مخّ العبادة ، وغاية شرف الزاهدين ، وسيماء النّاسكين ، فلا شيء منه أفضل ، ومع ذلك يقطع لسانه عن ذكر العالمين وما لا يعني ، فلا يتمّ له عمل إلّا به ، ويخرج الغلّ والكبر والبغي من قلبه في جميع أحواله ، وكان لسانه في السّرّ والعلانية
--> ( 1 ) أي : المهالك .